يقال إن حارس المرمى يمثل نصف الفريق. عبارة تتكرر كثيرًا لتأكيد أهمية هذا المركز وحساسيته، لكنها تتحول أحيانًا إلى عبء قاسٍ عندما تأتي الهزيمة، فيُسأل الحارس عن نصف الفريق، أو ربما عن الفريق كله.
كان البرازيلي مواسير باربوزا واحدًا من أشهر ضحايا هذه القسوة في تاريخ كأس العالم، بعدما ارتبط اسمه إلى الأبد بليلة 16 يوليو 1950، تلك الليلة التي عُرفت في ذاكرة كرة القدم باسم «ماراكانازو».
نشأ باربوزا في أسرة كبيرة بضواحي ساو باولو، وكان له 10 إخوة وأخوات. بدأ حياته العملية في شركة أدوية، وهناك مارس كرة القدم مع فريق الشركة، حيث لعب في البداية كمهاجم بفضل حيويته وخفة حركته.
لكن التحول الحقيقي جاء مع نادي إيبيرانغا، حين غيّر مركزه ووقف بين القائمين. ورغم أن طوله لم يتجاوز 170 سنتيمترًا، وهو طول متواضع لحارس مرمى، فإنه عوض ذلك بمرونة كبيرة، وقدرة لافتة على القفز، وقراءة اللعب، والخروج الشجاع على أقدام المهاجمين.
لم يكن غريبًا أن يلقب بـ«الرجل المطاطي». وبعد نهاية مسيرته، كُشف أنه تعرض لخمسة كسور في يده اليمنى وستة في اليسرى، وهي ضريبة دفعها من أجل المجد في مركز لا يرحم. وكان باربوزا يلعب غالبًا دون قفازات، فيتصدى للكرات بيديه العاريتين.
ذاع صيته على مستوى البرازيل عام 1945، عندما انضم إلى فاسكو دا غاما، وتلقى أول استدعاء للمنتخب الوطني. لكن بدايته مع «السيليساو» لم تكن مثالية، إذ خسرت البرازيل أمام الأرجنتين 4-3 في ديسمبر، وتم استبداله خلال المباراة، لتغلق أبواب المنتخب أمامه لثلاث سنوات تقريبًا.
عاد باربوزا إلى الواجهة بعد بطولة أندية أمريكا الجنوبية عام 1948، عندما توج فاسكو دا غاما باللقب، وقدم الحارس أداءً مذهلًا أمام ريفر بليت، الذي كان يضم نجوماً كبارًا مثل ألفريدو دي ستيفانو وأنخيل لابرونا.
بعدها استدعاه المدرب فلافيو كوستا إلى كوبا أمريكا 1949، وهناك تألق باربوزا بشكل كبير، إذ شارك في المباريات الثماني كلها، وقاد البرازيل إلى اللقب بعد فوز كاسح على باراغواي في النهائي بنتيجة 7-0.
وقبل كأس العالم 1950، كان كثيرون في البرازيل مقتنعين بأن اللقب العالمي أصبح قريبًا جدًا. المنتخب المضيف بدأ البطولة بقوة، ثم بلغ ذروته في الدور النهائي، فهزم السويد 7-1 وإسبانيا 6-1. وفي المباراة الحاسمة، كان يكفيه التعادل أمام أوروغواي للتتويج.
قبل المباراة، صدرت الصحف بصور المنتخب البرازيلي وعناوين تحتفل بالأبطال قبل الأوان. اللاعبون تلقوا هدايا، منها ساعات ذهبية نُقش عليها «إلى أبطال العالم». حتى جول ريميه كان قد أعد خطاب تهنئة للبرازيل، وكأن فوز أوروغواي لم يكن واردًا.
لكن ما حدث في ملعب ماراكانا أمام نحو 200 ألف متفرج صار واحدًا من أكبر الانقلابات في تاريخ كرة القدم. تقدمت البرازيل بهدف فرياس، وانفجر الملعب فرحًا، لكن أوروغواي عادت، ثم جاء الهدف الثاني الذي غيّر كل شيء.
سدد ألسيدس غيجيا كرة خادعة ومفاجئة من زاوية ضيقة. كان باربوزا يتوقع عرضية، فترك القائم القريب مكشوفًا، وتأخر رد فعله أمام التسديدة المباشرة. في اللحظات الأولى، ظن الحارس أنه لمس الكرة وأنقذ الموقف، لكن الصمت المرعب الذي غطى ماراكانا أخبره بالحقيقة القاسية.
خسرت البرازيل اللقب، وتحول الحلم إلى مأساة وطنية. الجمهور خرج مذهولًا إلى الشوارع والحانات الصغيرة ليغرق حزنه، بينما لم ينتظر أصدقاء وجيران باربوزا عودته إلى المائدة التي أُعدت للاحتفال، فغادروا قبل أن يمسوا الطعام.
لم يدخل باربوزا في العزلة فورًا. ففي عام 1953، شارك في كوبا أمريكا وخاض مباراة ضد الإكوادور دون أن يستقبل أهدافًا. لكنه في العام نفسه تعرض لكسر في الساق بعد اصطدامه بززيزينيو لاعب بوتافوغو، لتتلاشى فرصه في المشاركة في كأس العالم 1954.
كانت ذكرى «ماراكانازو» تطارده، ومعها إدراكه أن قصته مع المنتخب انتهت عمليًا إلى الأبد. وحدهم مشجعو فاسكو دا غاما ظلوا إلى جانبه، وكانوا يزورونه ويشجعونه أثناء إصابته.
واصل باربوزا اللعب قرابة 10 سنوات أخرى، مع فاسكو وعدد من الأندية الأصغر، لكنه لم يعد أبدًا إلى المنتخب البرازيلي. وبعد الاعتزال، اكتشف قسوة النبذ الحقيقي.
أكثر ما آلمه كان موقف امرأة صادفها في الشارع، أشارت إليه بازدراء وقالت لابنها: «انظر، هذا هو الرجل الذي جعل البرازيل كلها تبكي».
أصدقاء الأمس ومعارفه بدأوا يتجنبونه. ومع مرور الوقت، حصلت البرازيل على بيليه وغارينشا وثلاثة ألقاب عالمية، وامتلكت أسبابًا كثيرة للفخر والفرح، لكنها ألقت بحارس 1950 جانبًا كأنه لعبة مكسورة.
وفي عام 1993، تعرض باربوزا لطعنة معنوية جديدة. قبل مباراة بين البرازيل وأوروغواي، أراد الحارس العجوز لقاء كلاوديو تافاريل، حارس المنتخب البرازيلي آنذاك، ربما فقط ليشعر للحظة بأنه ما زال مهمًا. لكن المدرب كارلوس ألبرتو باريرا رفض ذلك تمامًا، معتبرًا وجوده «فألًا سيئًا».
زاد رحيل زوجته كلوثيلدا عام 1997 من قسوة سنواته الأخيرة. لم يكن لباربوزا أبناء بيولوجيون، فعاش تحت رعاية ابنته بالتبني. وعندما وصل إليه أحد الصحفيين في أواخر حياته، قال جملته الشهيرة: «أقسى عقوبة في البرازيل هي 30 سنة سجنًا. أما أنا فأقضي حكمًا مؤبدًا».
وفي 7 أبريل 2000، رحل مواسير باربوزا، كأن أنفاسه الأخيرة كانت الطريقة الوحيدة لينال حريته من محاكمة جماعية لم تنتهِ طوال نصف قرن.
كتب المؤرخ أرماندو نوغيرا عنه: «باربوزا هو الرجل الذي عانى أكثر من غيره من الظلم في تاريخ كرة القدم البرازيلية. كان حارسًا عظيمًا يصنع المعجزات. هدف غيجيا في نهائي كأس العالم أصبح لعنة عليه. وكلما رأيت حجم النقد الموجه إليه، وجدت نفسي أدافع عنه أكثر. البرازيل خسرت تلك المباراة قبل صافرة البداية».
كان باربوزا يقول: «لقد دفعت 40 عامًا من حياتي ثمن جريمة لم أرتكبها». وربما تلخص هذه العبارة واحدة من أقسى القصص في تاريخ كرة القدم، قصة حارس عظيم لم يهزمه هدف واحد فقط، بل هزمته ذاكرة أمة لم تعرف كيف تسامح.


