كان مانويل روساس سانشيز يُعرف بلقب «تشاكيتاس»، أي «السترات» بالإسبانية، بسبب عمله في مهنة الخياطة. فقد كان يعمل خياطًا في مكسيكو سيتي، قبل أن يتوجه بعد انتهاء يومه إلى الملعب، مرتديًا حذاءه الكروي ليلعب مدافعًا في صفوف نادي أتلانتي.
كانت تلك الفترة من أواخر الحقبة الرومانسية لكرة القدم، حين كان اللاعبون يمارسون اللعبة بدافع الشغف أكثر من البحث عن المكافآت. وكان كثير منهم يعتمدون في إعالة عائلاتهم على أعمال يومية شاقة في المصانع والأسواق والورش ومحال الخياطة.
وكان نادي أتلانتي نفسه يُعد رمزًا لأحياء العمال، حيث كان المشجعون البسطاء يتوافدون إلى المدرجات لمساندة لاعبين يشبهونهم في حياتهم اليومية، لكنهم يرتدون القمصان والجوارب الكروية داخل الملعب.
وكان النجم الأبرز في الفريق آنذاك هو خوان كارينيو، الذي عاد من أولمبياد أمستردام 1928 بعدما سجل أول هدف في تاريخ منتخب المكسيك. وبعد المشاركة الأولمبية، انتظر المكسيكيون حدثًا أكبر، وهو النسخة الأولى من كأس العالم.
وضم المدرب خوان لوكي دي سارالونغا سبعة لاعبين من أتلانتي إلى قائمة منتخب المكسيك في مونديال 1930، من بينهم الخياط مانويل روساس، وشقيقه فيليبي، الملقب بـ«ديينتي» أي «السن»، والذي كان يلعب في وسط الملعب.
وفي 13 يوليو 1930، دخل الشقيقان التاريخ عندما شاركا في المباراة الافتتاحية لأول كأس عالم، أمام منتخب فرنسا في العاصمة الأوروغويانية مونتيفيديو.
في ذلك الوقت، لم يكن منتخب المكسيك يرتدي بعد ألوان العلم التقليدية، الأخضر والأبيض والأحمر، بل خاض اللقاء بقميص غريب لكنه أنيق باللونين العنابي والأسود. غير أن المستوى البدني والتكتيكي للفريق لم يكن في أفضل حالاته.
وبعد 19 دقيقة فقط، دخل الفرنسي لوسيان لوران تاريخ البطولة، بعدما سجل أول هدف في تاريخ كأس العالم. ثم واصل الفرنسيون تفوقهم، بينما سجل كارينيو هدف المكسيك الوحيد، كما فعل قبل عامين في الألعاب الأولمبية. وانتهت المباراة بخسارة المكسيك 1-4.
وكان تأخر كرة القدم المكسيكية في تلك المرحلة مرتبطًا بموقع البلاد بين مركزين كبيرين للعبة، أوروبا وأمريكا الجنوبية. فقد تركزت العقول التدريبية واللاعبون البارزون هناك، بينما بقيت المكسيك، رغم شغفها الكبير بكرة القدم، بعيدة نسبيًا عن التطور العالمي.
ثم جاء لقاء الجولة الثانية أمام تشيلي، ليظهر اسم مانويل روساس في لحظة تاريخية غير مرغوبة. فقد استقبلت المكسيك هدفًا سريعًا في الدقيقة الثالثة، قبل أن تصمد حتى بداية الشوط الثاني.
وفي الدقيقة 51، تعامل «تشاكيتاس» مع الكرة بشكل خاطئ، فحولها إلى مرمى فريقه. وكان ذلك أول هدف عكسي في تاريخ كأس العالم. وبعدها استقبل المنتخب المكسيكي هدفًا ثالثًا، ليخسر المباراة 0-3.
شعر مانويل روساس بالخجل من تلك اللحظة، لكنه حصل على فرصة أخيرة للتعويض في المباراة التالية أمام الأرجنتين. وهناك نجح لاعب الأحياء العمالية في استعادة اسمه بقوة، بعدما سجل من ركلة جزاء عند تأخر المكسيك 0-3.
وكانت تلك الركلة أول ضربة جزاء مسجلة في تاريخ كأس العالم. ومن اللافت أن زملاءه وثقوا بمدافع لتنفيذها في تلك اللحظة، ليكافئهم روساس بهدف تاريخي.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ عاد روساس ليسجل هدفًا ثانيًا في شباك الأرجنتين، محققًا ثنائية نادرة للاعب مكسيكي في كأس العالم. وظل هذا الإنجاز صامدًا لمدة 40 عامًا، حتى كرره خافيير فالديفيا في مونديال 1970 أمام السلفادور.
ولفترة طويلة، بقي روساس أصغر لاعب يسجل في تاريخ كأس العالم، بعدما هز شباك الأرجنتين بعمر 18 عامًا و93 يومًا. وحتى اليوم، ما زال يحتل المركز الثاني في هذه القائمة، بعدما تجاوزه بيليه فقط، الذي بدأ التسجيل في مونديال 1958 بعمر 17 عامًا و239 يومًا.
وبعد عودته من أوروغواي، واصل مانويل حياته البسيطة، فكان يخيط البدلات نهارًا، ويلعب لأتلانتي مساءً. ومن أشهر القصص التي ارتبطت به حكاية زفافه في أكتوبر 1935.
في ذلك الوقت، كان نادي ليبرتاد، أول نادٍ محترف في كوستاريكا، يقوم بجولة ودية في المكسيك. وخسر أتلانتي المباراة الأولى أمامه، لكنه حصل على فرصة للثأر في لقاء ثانٍ.
وكان روساس على موعد مع حفل زفافه، لكنه لم يمكث طويلًا. التقط صورة مع عروسه، ثم حمل حقيبة ملابسه الرياضية وهرب إلى الملعب للمشاركة في المباراة. وفاز أتلانتي حينها بنتيجة 4-3.
وبعد اعتزاله، لم يتحول مانويل روساس سانشيز إلى نجم تلفزيوني أو مدرب معروف أو مسؤول كروي. كما لم يكتب مذكراته، رغم أنه كان يملك قصة تستحق أن تُروى. بقي «تشاكيتاس» طوال حياته خياطًا بسيطًا، ابنًا حقيقيًا لأحياء العمال في مكسيكو سيتي.
وفي السنوات الأخيرة، تعرّف صحفيون مكسيكيون على دارسي روساس، حفيدة المدافع الهداف. وقبل جائحة كورونا، افتتحت متجرًا للهدايا التذكارية مخصصًا لنادي العائلة المحبوب، أتلانتي.
وُلدت دارسي عام 1983، عندما كان جدها في الحادية والسبعين، لذلك تذكره في سنواته الأخيرة صامتًا وملازمًا للفراش. فقد أنهكه مرض باركنسون، بينما ظلت زوجته ماريا تنقل للعائلة قصصه القديمة.
ولا يزال منزل عائلة روساس يحتفظ بذكرى ثمينة، هي الميدالية التي حصل عليها مانويل روساس سانشيز لمشاركته في أول نسخة من كأس العالم.


