أجمع متابعون كثيرون على أن فوز المنتخب الوطني لأقل من 21 سنة بالميدالية المتوسطية كان بمثابة أفضل هدية رمزية ومعنوية لعائلات ضحايا الحرائق التي مست عدداً من ولايات الوسط والشرق، وهو ما يعكس في نظر الكثيرين الدور الجوهري للرياضة وكرة القدم خاصة في إدخال البهجة ورفع الروح المعنوية وسط الأحزان والمآسي، كما يحدث الآن بسبب مخلفات الحرائق التي أسفرت عن خسائر بشرية ومادية في عدة ولايات، في مقدمتها جيجل وبجاية وتيزي وزو والطارف وعنابة وغيرها من المناطق التي لم تسلم من ألسنة اللهب خلال الأسابيع الأخيرة، ما ولّد ردّ فعل إيجابيًا وفوريًا من الشعب والجماهير الكروية التي بادرت إلى مساعدة إخوانهم في تلك الولايات، عبر تزويدهم بالمواد الغذائية وسائر الاحتياجات الضرورية، في نشاط ميداني فعّال جسّدته قوافل التضامن القادمة من مختلف مناطق الوطن، وأكّد في الوقت نفسه أهمية الرياضة وكرة القدم في تعزيز لحمة الجزائريين على قيم الأخوة والتضامن والتكافل، مما يعني في نظر الكثيرين أن كرة القدم ليست مجرد كرة منفوخة تقفز هنا وهناك، ولا مجرد لعبة تُمارس في الملاعب وهتافات تُرفع في المدرجات، بل تحمل رسائل نبيلة تصب في خانة الإخاء والتعاون والتحلي بأخلاق التكافل والروح الرياضية، وهو ما لمسه الجميع من خلال النشاط المكثف للجماهير الجزائرية من كل الولايات، وكذلك التتويج النوعي لصغار “الخضر” بالذهب المتوسطي الذي كان أفضل هدية رمزية وسط ما عاشه سكان المناطق المتضررة من حرائق الغابات.
ويؤكد كثير من المراقبين أن الكرة الجزائرية سبق لها أن صنعت الحدث وخطفت الأنظار بتحقيق ألقاب وتتويجات قارية وإقليمية أرسمت البسمة على وجوه الجماهير والشعب الجزائري عامة في عزّ الأحزان والأزمات التي مرت بها البلاد في فترات ومحطات عديدة، والبداية كانت في نهاية الثمانينيات، حين تأهل المنتخب الوطني إلى نهائيات كأس العالم بمكسيكو 1986 رغم الأزمة العالمية التي أدت إلى انهيار أسعار النفط، وكذلك في نهاية الثمانينيات بعد أحداث أكتوبر 1988، حيث جاء تتويج وفاق سطيف بكأس إفريقيا للأندية البطلة مناسبة لرفع المعنويات وتجاوز الظروف القاسية التي عاشها الجزائريون، وينطبق الأمر على التتويجات الهامة التي حققها المنتخب الوطني مطلع التسعينيات، وفي مقدمتها لقب “كان 90” بالجزائر على حساب منتخب نيجيريا، ثم الكأس الآفروآسيوية مطلع عام 1991 أمام منتخب إيران. وفي السياق ذاته، تميزت شبيبة القبائل بتتويجات نوعية في عزّ الصعوبات التي عاشتها البلاد، من بينها اللقب الإفريقي نهاية عام 1990، ولقب كأس إفريقيا للأندية الفائزة بالكأس عام 1995 في خضم العشرية السوداء، كما رفعت التحدي مطلع الألفية بعد أن نالت ثلاثة ألقاب متتالية في منافسة كأس الكاف، وتزامنت مع بعض الظروف التي مرت بها البلاد، وفي مقدمتها العاصمة وما حولها، على غرار فيضانات باب الوادي، والزلزال الذي هز العاصمة وبومرداس والمناطق المجاورة، حيث كانت الشبيبة في عهد الرئيس الراحل محمد الشريف حناشي بمستوى التطلعات، من خلال رفع راية الجزائر والكرة الجزائرية. وتواصل تألق الكرة الجزائرية في الفترات الصعبة بتتويجات نوعية وإثباتات ميدانية، كما حدث صائفة 2019 في عزّ الحراك الذي مرّ بعدة اختبارات وتحديات وسط تماسك الشعب الجزائري مع الجيش ومؤسسات الدولة، وكان تتويج المنتخب الوطني باللقب القاري على الملاعب المصرية بمثابة هدية نوعية للجماهير الجزائرية، بدليل الخروج الجماعي للشعب الجزائري إلى الشوارع احتفالاً بهذا الإنجاز المبهر المحقق خارج الديار تحت قيادة جمال بلماضي الذي عرف كيف يستثمر في رفاق محرز لصنع التميز وفق مسار نوعي من الدور الأول حتى المباراة النهائية ضد منتخب السنغال. كما يستدعي الأمر تذكر إنجازات عديدة للرياضات الفردية بقيادة نور الدين مرسلي وحسيبة بولمرقة ووجوه رياضية أخرى أهدت الجزائر ميداليات ذهبية في منافسات عالمية وأولمبية، ميداليات سمحت بعزف النشيد الوطني عاليًا في فترات صعبة مرت بها البلاد، خاصة خلال عشرية التسعينيات.
ووصل الكثيرون إلى قناعة بأن كرة القدم والرياضة الجزائرية عموماً لا تتوانى عن تشريف الجزائر في المحافل الدولية، كما تضطلع بالعديد من التحديات الرامية إلى رفع راية الجزائر عالياً في كل الظروف والفترات، خاصة في أوقات المحن الناتجة عن عدة ظروف تجاوزتها البلاد بسلام، مثل ما حدث خلال التسعينيات، وكذلك بسبب كوارث طبيعية كالزلازل والفيضانات، وكوارث أخرى سببها العنصر البشري، مثل مسلسل الاغتيالات في التسعينيات، وظاهرة حرائق الغابات التي خلّفت خسائر مادية وبشرية في عديد ولايات الوطن.


