عاد جاك غريليش إلى إيفرتون على سبيل الإعارة من مانشستر سيتي في الساعات الأخيرة من نافذة الانتقالات الصيفية، حين وصل بسيارته اللامبورغيني البيضاء إلى مقر تدريب فينش فارم قبل ساعة من إغلاق السوق، وسط ترحيب واضح من الجماهير ومن اللاعب نفسه. وكانت إعارته السابقة قد انتهت مبكراً بسبب إصابة خطيرة في القدم، لكن اللاعب البالغ 31 عاماً قدم ما يكفي من اللحظات الممتعة ليجعل عودته لحظة فرح نادرة في صيف صعب على إيفرتون في سوق الانتقالات. وبعد أن غادر في ساعات الصباح الأولى، بعد إتمام الصفقة وتوقيع كل التوقيعات والتقاط كل الصور، بدت الخطوة أشبه بعودة إلى الديار لشخصية عادية اعتبرها مشجعو إيفرتون واحداً منهم.
كانت الصفقة تحمل الكثير: للمدرب ديفيد مويس، الذي بقي لديه 18 لاعباً كبيراً فقط بعد نافذة انتقالات سيئة، ولغريليش خصوصاً، الذي أكد استبعاده من مانشستر سيتي في بداية العام الأخير من عقده أنه خارج الحسابات. والآن وصل مستقبل غريليش وثقة إيفرتون به إلى لحظة فاصلة.
استُبعد غريليش من قائمة إيفرتون قبل مواجهة نيوكاسل على أرضه في كأس الرابطة الإنجليزية، ووصف القرار علناً بأنه «خرق لانضباط النادي». وتحديداً، كان السبب عدم حضوره إلى التدريب يوم الاثنين، ليجد اللاعب الموهوب، الذي كان أول لاعب كرة قدم بريطاني تبلغ قيمته 100 مليون جنيه إسترليني عندما انتقل إلى مانشستر سيتي من أستون فيلا صيف 2021، نفسه أمام إعادة بناء جديدة لمسيرته. وقد أكد قرار إيفرتون الإعلان عن أسباب غياب غريليش قبل المباراة خطورة ما حدث.
وتعني هذه التداعيات أن الأمر بات يبدو أكثر فأكثر بمثابة لحظة «الآن أو أبداً» بالنسبة لغريليش، لأن الفشل في إيفرتون سيعني حتماً دوامة هبوط بعيداً عن أعلى مستويات الدوري الإنجليزي الممتاز. ولا يعتبر إيفرتون هذه المخالفة بمثابة «الفرصة الأخيرة» بالمعنى الحرفي، فمويس لا يملك لاعبين كافيين ليستغني سريعاً عن لاعبين قادرين على تغيير المباريات. لكنها تزيد الضغط على مهاجم إنجلترا السابق كي يستعيد ثقة جماهير تحب استمتاعه الواضح بالحياة والسحر الذي أظهر قدرته على صناعته.
ويأمل مويس أن يكون الدرس قاسياً لكنه مفيد، لأن إيفرتون أصبح لديه ما يلعب من أجله أكثر بعد أن اقترب ويمبلي من الأفق في كأس الرابطة. ويعتقد «بي بي سي سبورت» أن غريليش عانى في الماضي من مشكلات متفرقة في الالتزام بالمواعيد، لكن ليس بهذا الحجم من شخصية تُعد مجتهدة في التدريب وتحافظ عموماً على لياقتها.
وقد أجرى غريليش محادثات مع المسؤولين في إيفرتون، حيث جرت بالتأكيد مصارحته بوضوح بأنه لا مجال لتكرار ما حدث، خصوصاً تحت قيادة مدرب صارم مثل مويس، وعليه الآن أن يحاول إعادة دمجه في الفريق. والقرار الحتمي بمعاقبة غريليش، الذي اتُخذ على مستوى عالٍ داخل النادي وبمشاركة مويس ودعمه الكامل، يضعه على مفترق طرق. ويزداد الأمر حساسية لأن إيفرتون قدم على الأرجح أفضل أداء له هذا الموسم ليهزم نيوكاسل يونايتد 3-1 ويتأهل إلى ربع النهائي ضد فليتوود تاون، أحد أندية الدرجة الرابعة الإنجليزية، الذي أطاح بآرسنال حامل لقب الدوري الإنجليزي الممتاز في الدور الماضي. وجاء ذلك بأسلوب أكثر حيوية عبر الشاب تيريك جورج، 20 عاماً، في الجبهة اليسرى، وهو المركز الذي كان يُتوقع أن يشغله غريليش.
وكان مويس متحفظاً بعد المباراة وفضل التركيز على انتصار مهم. وقال: «على الأرجح تعرفون أنني لن أعطي أي تفاصيل. هذا قرار النادي وأنا أدعمه. إنه أمر لا أريد التحدث عنه كثيراً». وأضاف: «الشيء الوحيد بشأن إيفرتون هو أن لديه قيماً حقيقية وجيدة. كل اللاعبين يقفون خلفها ويقبلونها، داخل الملعب وخارجه، وأعتقد أن اللاعبين قاموا بعمل جيد. القائمة صغيرة، لكننا نبذل قصارى جهدنا لمواصلة التحدي. نحن لا نقبل أي أعذار لأي شيء، وأعتقد أن اللاعبين يقدمون عملاً رائعاً. كان هناك تواضع لدينا». ولم تكن الكلمات موجهة تحديداً إلى غريليش، لكنها قد تكون صادرة عن مدرب شعر بخيبة أمل وغضب شديدين من مخالفته.
وكان مويس وغريليش قد بنيا علاقة وثيقة منذ أول تواصل بينهما تقريباً في أغسطس 2025، وقال الأخير حينها: «بمجرد أن تحدثت إلى المدرب، عرفت أن هناك مكاناً واحداً فقط أريد الذهاب إليه، وهو إيفرتون». وكان غريليش عنصراً أساسياً عندما فاز مانشستر سيتي بالثلاثية، الدوري الإنجليزي الممتاز وكأس الاتحاد الإنجليزي ودوري أبطال أوروبا، في 2023، وأدى دوره حتى تعرض لكسر في القدم أنهى موسمه في فوز إيفرتون 1-0 على ناديه السابق أستون فيلا في يناير. وقد تجلى سعادته بالحياة في إيفرتون عندما قرر عدم العودة إلى مانشستر سيتي، وواصل التعافي في فينش فارم بدلاً من العودة إلى ملعب الاتحاد.
ودرس إيفرتون بعناية صفقة إعارة ثانية لإعادة غريليش، مع وضع إصابته ووضعه المالي، وإلى حد ما شخصيته، في الحسبان قبل أن يقرر مويس التحرك مجدداً للتعاقد مع لاعب أصر على أن ميرسيسايد هي المكان الوحيد الذي يريد التواجد فيه. وكان مويس أيضاً يدير خيارات محدودة جداً بعد أن بدا أن ملاك النادي، مجموعة فريدكين، يتراجعون عن تعزيز قوي للفريق وهم يستعدون لطرح النادي للبيع.
وكان أداء غريليش هذا الموسم مخيباً، إذ لم يسجل أو يصنع أي هدف في ثماني مشاركات، اثنتان منها مع مانشستر سيتي قبل عودته إلى إيفرتون، بينما يتعارض ميله إلى إبطاء اللعب مع الإيقاع الذي يطلبه مويس عادة من فريقه. وسيزداد غضب مويس لأن غريليش، الذي غاب عن خسارة السبت أمام آرسنال بسبب «مرض»، جزء من قائمة رقيقة جداً لا تستطيع تحمل لاعبين غير فاعلين أو لاعبين يستبعدون أنفسهم بسبب عدم انضباط غير ضروري.
وسيكون هناك إحباط أيضاً، لأن غريليش يتمتع بشعبية كبيرة داخل غرفة ملابس إيفرتون ومع الموظفين في كل أقسام النادي. وقد وُصف بأنه «شاب بقلب من ذهب، طيب وجذاب، ويحب فعلاً التواجد هنا». وتجلى ذلك عندما تبرع مؤخراً بمبلغ 10 آلاف جنيه إسترليني لصفحة «غو فاند مي» لمشجع إيفرتون ليون سكابارز، 36 عاماً، وهو أب لثلاثة أطفال شُخّص بمرض السرطان. وتجمع الأسرة المال بحثاً عن خيارات للعلاج، وقالت زوجته كريستال: «في تلك اللحظة، منح جاك عائلتنا كلها شيئاً كنا بأمس الحاجة إليه، وهو الأمل. ما فعله من أجل عائلتنا شيء لن ننساه أبداً. إنه يجعلنا نشعر بعاطفة جارفة».
وظهر غريليش أيضاً وهو يقدم جوائز في حفل «برايد أوف بريتن» الذي تنظمه «ديلي ميرور» مؤخراً، وقال: «يُصنف لاعبو كرة القدم كأبطال، لكن هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون». وفي الجمعة، رفض إنزو ماريسكا، مدرب مانشستر سيتي، الحديث عن تصرفات غريليش في إيفرتون، لكنه أشاد بشخصيته. وقال ماريسكا: «ليس من الصحيح الحديث عن جاك في هذه اللحظة، أولاً لأنه لاعب في إيفرتون، وثانياً لأنني لا أملك كل المعلومات. ما زلت أعتقد أنه شخص جيد ويملك قلباً كبيراً».
وفي أبريل، مدد غريليش دوره سفيراً رئيسياً للأولمبياد الخاص لبريطانيا العظمى لثلاث سنوات إضافية، بعد انضمامه أول مرة في 2022. واحتفل بالمناسبة باستضافة خمسة من عشرة رياضيين من الأولمبياد الخاص لبريطانيا العظمى شاركوا في ماراثون لندن في ملعب هيل ديكنسون التابع لإيفرتون، حيث فاجأ الرياضيين بتجربة كبار الشخصيات وجولة في الملعب وقضاء وقت معهم بجانب أرضية الملعب. ويعتبره المسؤولون في إيفرتون أيضاً من أول من يشارك في برنامجهم المجتمعي في فينش فارم، فضلاً عن لقائه فريق متلازمة داون التابع لمؤسسة إيفرتون في المجتمع. وكثيراً ما يتحدث غريليش عن الإلهام الذي يستمده من شقيقته هولي، المصابة بالشلل الدماغي.
غير أنه تصدر العناوين في ظروف أقل ترحيباً على مر السنوات، وآخر حادثة جاءت لتضيف المزيد. في أبريل، ظهر غريليش نائماً في بار على سطح مبنى في مانشستر محاطاً بالمشروبات. وكان المشهد ليس مخالفاً للقانون بالتأكيد، لكنه على أفضل تقدير غير حكيم، خصوصاً مع كاميرات الهواتف المنتشرة دائماً، وبما أنه كان يتعافى من إصابة. وفي مارس 2020، غرمه ناديه أستون فيلا واعتذر علناً بعد خرق إرشادات الإغلاق خلال الجائحة إثر مغادرته منزله لزيارة صديق. وفي نوفمبر 2020، أقر ببندين من القيادة المتهورة يتعلقان بحادثتين تضررت فيهما شاحنة سيتروين وسيارة مرسيدس.
ومع ذلك، إذا تحدثت إلى معظم من في كرة القدم، وبالتأكيد في إيفرتون، فستجد الإشادات الشخصية مشرقة دائماً بشأن شخصيته المنفتحة ولفتاته الطيبة، ما يجعل خرق الانضباط أكثر إيلاماً لكثير من معجبيه. لكن بعد هذه الانتكاسة الأخيرة، تنفد من غريليش الفرص والوقت كي يبرر استمرار ذلك الدعم.


